عبد الرحمن بن محمد البكري

38

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بعد أحكام علم دينه ، ومعرفة وجود الحكمة فهو رحمة لنفسه رحمة لغيره في الدنيا ، حسرة على أبناء جنسه المتخلفين عن درجته في الدنيا ، والآخرة . [ الخشية ] وقال : لكل عالم حظ من الخشية بقدر خوفه ، ويقينه ، ولكل عارف حظ من الحكمة بقدر زهده ، وبصيرته فمن كانت بدايته الإخلاص في العمل بالعلم على الاقتداء ، ورث حكمة الأوقات في المعاملة ، وهو صاحب حال ينطق من حاله ، وإن كانت بدايته الصدق في طلب العلم للعمل به ، ونشره بصحبة العباد ورث حكمة الأوقات ، والإصابة في الاختلاف ، واستخرج منه علم غير الوقت ، وهذا ربّ حال ينطق من حاله ، ولا يجتمع هذان الأصلان في البداية ، وهذان الفرعان في النهاية لا لمراد مخصوص بالولاية الكبرى ، والصديقية العظمى يريد اللّه عز وجل ، أن يجعله إماما للخلق في وقته لسانا للحق عينا للحق يدمغ به نواعق الضلالة ، ويمحق كل شبهة ، ويقطع به قرون كل بدعة « 1 » .

--> ( 1 ) قال صاحب البصائر : والصدق : مطابقة القول الضمير ، والمخبر عنه معا ، ومتى انخرم شرط من ذلك لا يكون صدقا تاما ، بل إما ألا يوصف بالصدق ، وإما أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب ، على نظرين مختلفين ، كقول الكافر من غير اعتقاد : محمد رسول اللّه ، فإن هذا يصح أن يقال : صدق لكون المخبر عنه كذلك ، ويصح أن يقال : كذب لمخالفة قوله ضميره ، وبالوجه الثاني : إكذاب اللّه تعالى المنافقين حيث قالوا : إنك لرسول اللّه فقال : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ اه . هذا ما قاله صاحب بصائر ذوى التمييز ( أ / 397 ) ، وهو كلام له وجاهته العلمية حيث إن الصدق إخبار الإنسان بما يعتقد أنه الحق ، ويشمل الإخبار عن كل ما يفهم المقصود سواء كان بالكلام أو بالعمل ، كالكتابة والإشارة ، وعكس الصدق الكذب ، وهو إخبار الإنسان بما يعتقد أنه غير الحق ، ويشمل الإخبار الصمت الذي يغير الحقيقة ، أو يخفيها ، ويشمل حذف بعض الحقيقة ، إذا كان لما حذف تأثير فيما ذكر ، فكل من الصمت والحذف يعتبر كذبا . وقد اعتبر القرآن الكريم قول المنافقين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ كذبا فقال تعالى : وَاللَّهُ يعلم إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] وذلك لأنه إخبار بما لا يعتقدون صدقه . انظر : ( أخلاقنا للأستاذ محمد ربيع جوهري - ص 313 ) .